Armenian Subjects in Arabic Language

 

موضوعات أرمنية باللغة العربية
Media Resources Homepage: http://www.azad-hye.com/media 

 

 

"أشجان أرمنية" بقلم محمد الخولي

المصدر: جريدة "البيان"، دبي، 24 يوليو 2000

 

يمتح الكاتب دوما من معين الثقافة التي ينتمي اليها.. والتي أنجبته واستطاعت أن تغذيه وتنميه وتمده بالخبرة التي تتيح له أن يبدع في اطارها ماشاء له الله أن يبدع من ألوان الأدب و أشكال الفنون.
والكاتب والأديب والمفكر والفنان حين يبدع أو يتفلسف إنما يرد الجميل الى تراث أمته والى الانساق الثقافية الحضارية التي يصدر عنها والتي تفهمه بقدر ما يفهمها.. وتهيئ له عنصر المواصلة بقدر ما يتاح لها بفضل ابداعه عنصر التجديد والاثراء والاستمرار ولكن هي الطامة الكبرى حين تكون هذه الثقافة في حال من الاحتضار, وحين تكون لغتها التي تتعامل بها مع العالم والعصر في حال من الانكماش والميل الى الغروب ومن ثم الزوال...

هذا هو بالضبط الكابوس الذي يعيشه هاجوب اسدوريان وهو كاتب أرمني يبلغ الآن من العمر 97 عاما ويعيش في مدينة صغيرة بولاية نيوجيرسي في أمريكا... والرجل يتأمل أبعاد هذا الكابوس الذي تعانيه ثقافته ولغته الأرمنية ومن حوله 14 كتابا أصدرها على امتداد حياته هذه الطويلة وهي حياة أشبه برحلة الأوديسه التي حكاها هوميروس مستقاة من أساطير اليونان... رحلة بدأت مع هجرة الأرمن من تركيا في السنوات الأولى من القرن العشرين وتنقلت مواكبها الحزينة البائسة ما بين سوريا وفلسطين الى أن حطت رحالها مجهدة، مثخنة بالجراحات في الصقع الأمريكي حيث أصدر الكاتب اسدوريان تآليفه مكتوبه بلغة قومه الأرمن وحيث يعكف وهو في خريف شيخوخته على إنهاء آخر كتبه الذي اختار له عنوانا مفعما بالأسى والشجن وهو: جيل الانصهار (أو الذوبان) ويسألونه عن المغزى من هذا العنوان فيقول: انه يجسد الضياع المحتوم لثقافتنا وعندما يحاورونه متذرعين بحكاية التواصل في حياة الأمم والشعوب من جيل سلف الى جيل لاحق يعود الكاتب الأرمني يقول: لا أحد يستطيع أن يأخذ مكان السابقين... نحن هنا في أمريكا حيث ايقاع التغير والتبدل سريع على نحو صاعق... الى حد أن ابناءك لايفهمونك... وهم في هذا معذورون. والحاصل أنه هاجر الى أمريكا نحو 25 ألفا من شعب الأرمن وكان ذلك في فترة الحرب العالمية الأولى.. وفي مقابل الحياة الأمريكية المريحة الى حد ما، كان عليهم أن يدفعوا ثمناً لقاء هذه السنوات الخمس والثمانين وكان ثمناً فادحاً اقتضاه الزمن من اللحم القومي الحي كما قد نقول لحم الأرمن كشعب وثقافة ولغة وجماعة بشرية. وجاء الثمن الباهظ على شكل هذه العملية من الذوبان والانصهار المستمر لأجيال الأرمن وخاصة الشباب في بوتقة الحياة الأمريكية.

وبالمناسبة هذا ثمن تدفعه كل الجاليات المهاجرة من جذورها الأولى الى حيث الحياة الأمريكية ومن شأن العرب المهاجرين الى هناك أن يدفعوه في مستقبل الأيام... وهم ولما يحسون بفداحته بعد، إذ أن هجرتهم أحدث من هجرة الأرمن بأكثر من خمسين عاما... ولو أحسن المهاجرون العرب ادارة أمورهم والاستعداد لما قد يحل بلغتهم الأم وثقافتهم القومية لنجحوا، فيما نؤمل في تلافي مصير الذوبان والانصهار يساعدهم في ذلك امكانات التواصل الفضائية مع الوطن الثقافة الحضارة اللغة الأم علما بأن مأساة الأرمن أصلاً أنهم لايملكون الوطن الأم... وإنما لغتهم وثقافاتهم وأعرافهم هي وطنهم... فإن ذابت اللغة، وأصيبت الثقافة والأعراف بداء التفتت والتآكل، يصبح الوجود القومي من أساسه مهدداً بالاندثار. ومن عجب أن يتنبه الى هذا الخطر روائي أرمني كان في الطليعة من مبدعي قومه وهو شاهان شاهنور الذي نشر عام 1929 رواية بعنوان "التراجع بغير نشيد" وهي من كلاسيكيات الثقافة الأرمنية وتدور حول دياسبورا (شتات) الشعب الأرمني منذ أيام الحرب العظمى الأولى وفي مقاطع الرواية في ترجمتها الانجليزية يقول شاهنور فيما يشبه المرثية: "يتراجع الآباء والأعمام والأبناء... ومعهم تتراجع العادات والأفكار والأعراف وتنحسر وشائج المحبة... اللغة أيضاً تتراجع ومازلنا في حال من التراجع والانحسار في الكلمات والافعال بارادة وبغير ارادة عن جهل أو معرفة... فاغفر لهم... واصفح عنهم يا أرارات..." وأرارات هو الجبل الرمز من تضاريس تركيا. وثمة مأثورات تقول بأنه الجبل الذي رست عليه سفينة نوح عليه السلام بعد الطوفان المذكور في الكتب المقدسة. والواقع ان لم يبق من تراث الأرمن في أمريكا سوى 15 ألف مجلد مكتوبة بلغتهم ومودعة على أرفف مركز (زهراب) الثقافي في الشارع الثاني من ضاحية مانهاتن في نيويورك... لكن الكتب لا يقرأها أحد اللهم إلا نفر قليل من العلماء والمؤرخين... وشعب الأرمن أصبح ينقسم إما الى طاعنين في السن مثل صاحبنا الكاتب اسدوريان، الذي يخطو حثيثا الى عمر يساوي قرنا بأكمله من الزمان، وإما أجيال مخضرمة تكتفي بقراءة صحيفة تعنى بشئون الأرمن ولكنها تصدر بالانجليزية، ناهيك عن أجيال الشباب التي انصهرت لزوم الشغل والتفاعل وتحقيق الذات ضمن تيارات المجتمع الأمريكي. بل أن ناشر الصحيفة المذكورة واسمه آريس سيفاك يصدرها كل أسبوع مشفوعة باحساس من الأسى العميق ويقول: "اننا نفقد في كل يوم تلك الخيوط التي تصل بين الأجيال... نفقد قدرتنا على فهم روح الأرمن، على تأمل ذاتنا والتعمق في أغوار نفوسنا". وبوصفه صحفياً فهو ينعي زوال الصحافة المكتوبة بلغة الأرمن حيث لم تبق سوى جريدة واحدة تصدر في كاليفورنيا بهذه اللغة بعد أن كان عددها عشر صحف... وبعد أن أغلقت النوادي الأرمنية وانحلت الجمعيات الثقافية وزاحمت الانجليزية اللغة الأرمنية في لقاءات الأرمن من كل جيل الى أن حاصرتها ثم حصرتها داخل الكنائس وعلى ألسنة الكهنة الذين يفتحون بها الصلوات كنوع من الطقوس الموروثة وبعدها يتواصل الحديث بالانجليزية.

إنك كعربي تتأمل هذا المشهد... يومئ الى سكرات إذ تترامى النهاية لثقافة تذبل أمام وهج وسطوة الحياة الأمريكية... فتدعو الله مخلصاً أن يديم علينا نعمة التواصل الحضاري التي أفاءها علينا من لغة وثقافة وتراث واذا كان القرآن محفوظا بعناية الله الى أبد الدهر... فمازلنا نحن العرب قادرين على فهم واستيعاب خبرة وحكمة مبدعين من أمثال امرئ القيس إذا ركب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب وقد عاشوا قبلنا بنحو 15 قرنا من عمر الزمان... ونحمد الله. 

      www.Azad-Hye.com