|
جريدة "القبس"، الكويت 22 نوفمبر 2004
الأرمن والأتراك والأوروبيون
«كل هذا الظلم اذا نسيه اولادنا فليستحق الارمن الشتم من كل العالم»
هذا ما اوصى به الاديب الكبير أواديس اهارونيان وحمل تبعاته لاجيال الارمن، وهذا ما التزم به الاولاد، جيلا بعد جيل سلم الوحد منهم الراية لمن بعده مجددا العهد بعدم النسيان، ومؤكدا التذكر المستمر للظلم الذي وقع على اجداده من
قبل الاتراك على مر الزمن والذي بلغ اوجه في بداية القرن العشرين في غياهب الاناضول والصحارى المجاورة في فترة عاش وعايش شاعرنا المناضل العظيم مآسي شعبه المسكين.
انها ليست وصية للارمن فقط، بل انها ايضا وصية ومسؤولية لحكام الشعوب الحية، وصية للشعوب التي عانت ويلات الحروب والدمار، عانت التشرد وعانت القتل بالملايين.. انها وصية مخلصة ونافعة لحكام اوروبا وبالاخص عشية اجتماعهم لبحث امكانية قبول تركيا في المجتمع الاوروبي ديسمبر
2004.
انها مناشدة لعدم نسيان الظلم اينما كان لاي فرد او شعب كان، ومن اي حكم اوحاكم كان، دعوة لعدم النسيان ليس فقط للابادة الجماعية التي تعرض لها شعب قبل تسعين سنة، بل لاجل غسل الضمير الانساني من خطيئة النسيان المتعمد والمشجع للتكرار، خطيئة الساكت المشارك لمجزرة تعرض لها ثلث ابناء شعب كان يعيش على ارض اجداده منذ فجر التاريخ، يقدم باستمرار مساهمته اللائقة للحضارة الانسانية في فن المعمار وعلوم الفلك والفيزياء والادب واشكال
الثقافة الاخرى، وكل ما هو مطلوب من الشعوب المتمدنة مثل معاصريه من شعوب الاغريق والرومان والفرس.
ان سماح المجتمع الاوروبي لتركيا بالانضمام اليه قبل ان تنظف تركيا نفسها من شوائب ماضيها الذي تعرفه شعوب اوروبا قبل غيرها، سيكون خطأ جسيما ستندم عليه اجيال اوروبا القادمة اشد الندم. ان على تركيا اولا ان تغسل يديها وقلبها وان تتصالح مع الشعوب التي ذاقت الامرين على يديها (القارئ العربي يعرف هذا جيدا) وخاصة الشعب الارمني الذي ضحى
بمليون ونصف المليون من شبابه ونسائه وعجائزه واطفاله في سبيل تهيئة الظروف الملائمة لتطبيق الخطط الحربية على الروس اعداء الامبراطورية العثمانية في ساحة القتال الشرقية في الاراضي الارمنية الواقعة تحت الحكم العثماني في الحرب العالمية الاولى، وبالتحديد 1915، ولتمهيد تحقيق الاحلام الطورانية التوسعية باتجاه آسيا الوسطى لحدود الصين وتشكيل الاتحاد مع الشعوب المنحدرة من اصول تركية الممتدة من بحر قزوين مرورا بأرمينيا التي كانت تقف حاجزا
بموقعها الجغرافي امام تحقيق تلك الاطماع.
وانه قبل الاعتراف الرسمي التركي بالظلم الذي اوقعه اسلافهم على الارمن، وتسوية قضايا الحقوق الشرعية لمن بقي من احفاد الضحايا والدولة الارمينية المستقلة، انه قبل الحصول على وثيقة براءة ذمة وشهادة لا حكم عليها من ماضيها وحاضرها من المجتمع العالمي، فإن قبول تركيا في الاتحاد الاوروبي سيكون وصمة عار في جبين اوروبا تثقل ضميرها للأبد وتلطخ حضارتها الراقية ببقعة حمراء لا تزيلها اقوى المنظفات
بما فيها التاريخ والزمن.
|