|
عام 1965 جمعت الجالية الأرمنية في الولايات المتحدة نفسها وجهودها لكي تموّل عملية نقل جثمان شخص كان قد توفي هناك قبل عشرين عاماً، لكي يدفن الجثمان في فيينا، الوطن الأول لذلك الرجل. ولم يكن الرجل أرمنياً، بل ألمانياً / نمساوياً، متحدراً من أسرة اعتنقت الكاثوليكية متخلية عن ديانتها اليهودية الأصلية. والرجل كان في حياته كاتباً من أكبر الذين صنعوا للغة
الألمانية مجدها الأدبي خلال النصف الأول من القرن العشرين... وكان اسمه فرانتز فرفل. صحيح انه ليس الأوسع شهرة بين أقرانه ومجايليه، لكن له لدى الأرمن مكانة خاصة.. . وهذه المكانة كانت هي التي تبرر اهتمام الأرمن الأميركيين بنقل جثمانه ليدفن في بلده بعد غربة طويلة. أما السبب في هذا فيعود الى أن فرفل كتب، ومنذ عام 1933، أفضل وأهم عمل أدبي كتب عن القضية الأرمنية حتى اليوم. وهذا العمل هو رواية في أكثر من تسعمئة صفحة عنوانها "أيام موس داغ الأربعون"، وترجمت الى الكثير
من اللغات ولكن ليس الى العربية - على حد علمنا -، مع ان احداثها تطاول جزءاً من تاريخنا الحديث ومن تاريخ جماعة تعيش بيننا، إضافة الى كون الأحداث نفسها تدور في جزء من شمالي سورية الطبيعية، هو جبل موس داغ المطل على البحر الأبيض المتوسط، من حول منطقة كانت في الماضي مملوءة بالسكان الأرمن وقراهم الوادعة.
رواية "أيام موس داغ الأربعون" هي، إذاً، رواية القضية الأرمنية والمذابح الأرمنية كما كتبها مؤلف بالألمانية في وقت كان العالم لا يزال فيه غافلاً عن تلك القضية ومذابحها. والحال ان ما حدث للأرمن على أيدي السلطات التركية في العام 1915، لم يصل الى العالم إلا لاحقاً... وتحديداً من زمن كان العالم قد بدأ ينشغل فيه بمذابح وحروب جديدة.
ومع هذا يفيدنا أحد فصول الرواية ان المبشر الألماني جوهانس ليبسيوس الذي كان يزور المنطقة عام 1915، كتب في العام التالي "تقريراً سرياً" حول المذابح رفعه الى حكومته، غير ان الحكومة الألمانية هذه ما لبثت أن أخفت التقرير لأنها كانت على تحالف مع السلطات التركية ولا تريد ان تسيء اليها. ويمكن القول على أية حال ان فرفل انما استند في الخلفية السياسية
والتاريخية لروايته على ذلك التقرير.
لكن الرواية على رغم تلك الخلفية، ليست تقريراً سياسياً أو سرداً تاريخياً وحسب، بل هي عمل أدبي أيضاً، مملوء بالشخصيات الموزعة على نوعين: شخصيات تاريخية حقيقية، وشخصيات روائية ابتكرتها مخيلة فرفل نفسه. ومن الشخصيات التاريخية لدينا أنور باشا وطلعت باشا، القائدان التركيان اللذان تذكر الرواية بأنهما هما من أمر باقتراف المجازر ضد الأرمن وبطردهم من ديارهم،
ولدينا في المقابل، مثلاً جلال بي، والي حلب، الذي يطرده القادة الأتراك من وظيفته لأنه يرفض تنفيذ أحكام الإعدام والطرد بعدد كبير من الأرمن. وكذلك هناك شخصية جوهانس ليبسيوس المبشر الذي أشرنا اليه. أما بالنسبة الى الشخصيات الروائية فلدينا خصوصاً المناضل الأرمني غابريال بغراديان، وهو في الأصل ضابط في الجيش العثماني، فرنسي الثقافة والهوى، مثقف مولع بالأنوار وموزع بين الكثير من الثقافات، قبل أن يتخذ قراره أخيراً، ويقود المدافعين الأرمن
عن تجمعاتهم اللاجئة الى سفوح جبل موس داغ.
وغابريال إذ يأتي بعد تردد وتفكير عميق ليقوم بمهمته القومية والإنسانية هذه، يفعل هذا بعدما تكون الأحداث قد خصّت أرمن الشمال السوري سكان القرى المطلة على المتوسط والواقع أسفل جبل موس داغ وعلى سفوحه، بمصير يختلف الى حد ما عن مصير بقية أبناء جلدتهم... فإذا كان بقية الأرمن قد أذعنوا لما يراد لهم، فاقتلعوا من ديارهم ورُحِّلوا الى مناطق أخرى، ومات وأعدم منهم من حلت نهايته تعباً أو على أيدي الجنود الأتراك، فإن أهل منطقة ساحل موس داغ رفضوا الاذعان وقرروا الثبات في المكان، فامتشقوا السلاح ولجأوا الى قمم وسفوح الجبل يمترسون فيها ويقاومون المعتدين عليهم. انهم بذلك حولوا الجبل الى قلعة حقيقية... ما مكنهم طوال الأربعين يوماً، المذكورة في عنوان الرواية، من الحاق
الاخفاق والهزيمة بالجيوش التركية المغيرة عليهم، خصوصاً أن هذه الجيوش كانت في الوقت نفسه مشغولة بجبهات القتال خلال تلك المرحلة من الحرب العالمية الأولى. والرواية تفيدنا كيف ان عدداً كبيراً من الجيران المسلمين كانوا لا يتوقفون عن مساعدة الأرمن باخفائهم أو حتى بمدهم بالسلاح والمؤن وأن كثراً من أولئك المسلمين قد كشف أمرهم فكانت السلطات التركية لا تتورع عن اعدامهم وسجنهم ونفيهم، في شكل ساوى بينهم وبين الأرمن تماماً. ولقد كانت النتيجة
ان الأرمن تمكنوا، على رغم الجوع والمرض والتفكك الاجتماعي من الصمود تلك الأيام التي حلت بعدها... المعجزة التي أنقذتهم.
غير ان ذلك الصمود الأرمني الذي تؤسطره الرواية، ما كان له أن يقوم في الحقيقة لولا المهارة التي أبداها غابريال بغراديان، الذي هو الرجل المفتاح في ذلك النضال كله... ذلك انه هو الذي تولى تنظيم المقاومة في جبل موس داغ، وعمل بجهد حتى وإن كان قد عاش أيامه تلك ممزقاً، ذلك أن الرجل لم يشعر بنفسه مقبولاً لا عند هذا الطرف ولا عند ذاك... أما زوجته التي هي
بدورها، شخصية محورية أساسية في الرواية، فإنها، كما يقدمها لنا فرانتز فرفل امرأة مجتمع أنانية ولا تحفل بشيء غير مسراتها و... "تكاد تكون واحدة من نساء باريس" كما يقول فرفل عنها، مصوراً إياها في لحظات بوصفها عقبة أخرى من العقبات التي تحول بين غابريال وبين قيامه بواجبه. غير ان هاتين الشخصيتين تختفيان بوضعهما الاجتماعي هذا، في الصفحات الأجمل من بين صفحات الرواية، حيث تكون البطولة للأحداث نفسها، لتلك العملية العجائبية - التي يقول لنا
التاريخ انها حدثت حقاً - والتي أدت الى انقاذ أهالي موس داغ. إذ أن فرفل يصف الأحداث التاريخية هذه، كما يصف المجازر الأخرى التي تعرض لها الأرمن وصفاً دقيقاً مسهباً، سواء في بعده السياسي أو الحدثي البحت. وهو لذلك ينقلنا الى أروقة السلطة التركية حيث يسود الاتهام للأرمن بالمشاركة في مؤامرات الأعداء، ثم الى مناطق المجازر، والى فصل الرجال عن عائلاتهم بداعي تجنيدهم في الجيش، وصولاً الى علاقة الأرمن مع جيرانهم العرب من مسيحيين ومسلمين.
هذا كله يفصله لنا الكاتب، لكنه في الوقت نفسه يبدو غير مبال بأن يشرح لنا السبب الذي قاد السلطات التركية الى اقتراف ذلك.
ولد فرانتز فرفل عام 1890، وكان في الرابعة عشرة من عمره حين قرر أن يصبح أديباً رافضاً أن يستجيب الى رغبة أهله في أن يدخل سلك العمل التجاري. لذلك درس الأدب في براغ ثم توجه ليعيش في لايبزغ حيث عمل لدى أحد الناشرين... وبعدها عاش في فيينا حيث انخرط في حياتها الأدبية وبدأ ينشر نصوصه المسرحية والشعرية التي تحمل طابع رعبه أمام الحرب العالمية الأولى التي
اندلعت وجُند فيها. وحين وصل النازيون الى الحكم في ألمانيا هرب فرفل الى فرنسا ومنها الى استوكهولم ثم الولايات المتحدة الأميركية. وخلال ذلك كله نشر الكثير من الروايات والأعمال الأدبية الأخرى ومنها "باربارا أو الشفقة" و"غروب العالم" وغيرها. |