|
الحلقة الأولى: نموذج الكيان العنصري قبل إسرائيل وجنوب أفريقيا
تركيا الأمس.. تركيا اليوم.. كيف تكونت ومن يرعى دمويتها ؟!
تشبًه تركيا بكياني إسرائيل وجنوب أفريقيا العنصري، ليس لأن الثلاثة من الكيانات القليلة في العالم التي لها نزاعات مستديمة مع الدول المحاذية لها حسب، إنما لأن هناك صوراً عديدة للتشابه في السياسة الخارجية، وطبيعة العلاقات التي تربط هذه الكيانات الثلاثة
بالعالم، فيما تصل إمارات الشبه إلى أعمق من ذلك حيث تمتد إلى شيء غير قليل من التطابق في طبيعة الكيان التركي وكياني كل من جنوب أفريقيا وإسرائيل!
هذا الاستنتاج توصلت إليه دراسة بعنوان "تركيا: الصيغة والكيان والبنية" للكاتب العربي محمد خليفة نشرته مجلة "المنبر"1 التي أكدت أن الكيان التركي قام على حساب عدة شعوب هضمت
حقوقها وأراضيها وأوطانها وشخصياتها بالكامل. أبرز هذه الشعوب: الأرمن والأكراد، وبدرجة ثانية أقل العرب السوريون في مناطق عديدة محاذية للحدود السورية-التركية، أبرزها لواء
الاسكندرونة.
ومن أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة أيضا أن الكيان التركي لم يستمر منذ أن نشأ وحتى الآن إلا بفضل عاملين اثنين:
الأول: سياسة تتريكية قمعية إلى أبعد الحدود وقل نظيرها في العالم، قائمة على مبدأ إلغاء الآخر إلغاء تاماً أي مصادرة جميع الحقوق الثقافية والقومية والإنسانية للشعوب غير التركية داخل الكيان التركي وعدم الاعتراف بوجودها أصلاً على طريقة إسرائيل ونظرتها إلى شعب
فلسطين.
الثاني: دعم مطلق ومتعدد الوجوه من جانب الولايات المتحدة الأميركية والدول الاستعمارية ذات السمعة السيئة في العالم للكيان التركي قائم على أساس عميق من التحالف الاستراتيجي المتبادل لأغراض مشبوهة ومعروفة تتعلق باستراتيجيات الهيمنة الأطلسية في العالم لا غير.
هذه هي حقيقة الحكومات التركية المتعاقبة التي ورثت آفات "الرجل المريض" وتتبعت خطاه التي تكسرت على طريق سعيه لقرون عديدة بفرض الهيمنة على جزء كبير من شعوب العالم لمحو حضاراتها والتهامها تحت مختلف الأغطية ومنها شعارات إعلاء لواء الدين الإسلامي!
إن العنصرية التركية تعود أصلاً إلى القبائل المغولية التي هاجرت أواخر القرن الخامس عشر من شرق آسيا لتفرض سيطرتها على آسيا الصغرى! بمعنى أن وجودها "القومي" في المناطق التي تسمى تركيا الآن، يعود إلى ما قبل خمسة قرون ليس أكثر، بينما يعود وجود شعوب أخرى مسح وجودها وفي المنطقة نفسها إلى قرون عديدة قبل الميلاد!
لكن العنصر التركي الذي استخدم (ولا يزال) سياسة الإبادة الجماعية ضد الشعوب الأخرى، فرض هيمنته المطلقة وأنكر على تلك الشعوب كالأرمن والأكراد والعرب وجودهم ولغتهم وتاريخهم ليطلق على ما تبقى منهم، رغم انهم بالملايين، أتراك الجبال!
ولأهداف استراتيجية لها علاقة وثقى باستمرار الكيان التركي وجه الأرمن بسياسة تذبيح لا مثيل لها في التاريخ قتل جراءها قرابة مليوني إنسان. لهذا سنأخذ المجازر الكبرى التي تعرض لها الأرمن وقصة الشعب الذي تعرض لعمليات إفناء جماعية، منطلقا لكشف الكثير من الجوانب الخفية في بناء وتكوين الكيان التركي، الذي ما برح يزعم المزاعم بشأن "ديمقراطيته" التي يرعى الغرب وأميركا دمويتها الفاضحة، فضلاً عن تجروئه بإطلاق التهم الباطلة ضد دول أخرى لم يدنس ثوب عرضها بنقطة واحدة من بحار الدم التي خلفتها
سياسات السفاحين الذين حكموا تركيا باسم الدولة العثمانية... أم لفترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى وقتنا الحاضر.
تذكر المصادر الموثوقة أن المذبحة التي سبقتها عمليات تقتيل ضد الأرمن حدثت في آب / أغسطس وأيلول / سبتمبر من العام 1894 في منطقة ساسون عندما أخذ الجنود والجندرمة وبعض الشقاة الذين استأجرهم السلطان التركي يفتكون بالناس القاطنين في تلك الديار كباراً وصغاراً، نساءً ورجالاً، ودمروا في فترة وجيزة 40 قرية وقتلوا حوالي عشرة آلاف شخص.
المذبحة الثانية جرت أحداثها بعد سنة، ففي أيلول من عام 1895 بدأ رجال السلطان في العاصمة استانبول يفتكون بالأرمن فقتلوا منهم خلقاً كثيراً ثم انتقلت المذبحة إلى مدن أرمينيا الغربية والمدن الأخرى التي كان يقطنها الأرمن مثل مرعش و ديار بكر ومدن كثيرة أخرى غيرهما2. في استانبول أبيد خلال يومين أكثر من خمسة آلاف أرمني. وفي ديار بكر استمرت المذبحة ثلاثة أيام قتل فيها حوالي ثلاثة
آلاف. كما دمرت 120 قرية واغتصبت في المدينة وحدها عشرات الأرمنيات.. وكان القتلة واللصوص قد خصصوا واحداً من تلك الأيام الثلاثة لنهب المتاجر والدكاكين العائدة للأرمن.
مجزرة أخرى ارتكبت في مدينة سيواس التي ذبح فيها أكثر من ألف أرمني بالساطور وقضبان الحديد والعصي الغليظة والخناجر وما شاكل ربما لأن القتلة كانوا يضنون بطلقات بنادقهم. وقد شملت المذابح وجرائم النهب والسلب والتخريب الوحشية مناطق أخرى يسكنها الأرمن، وتكررت في
السنة التالية (1896) أيضاً..
مذابح عديدة تعرض لها الشعب الأرمني منذ غزو الأتراك السلاجقة والمغول التتر والعثمانيين لبلادهم.. وفي القرن التاسع عشر بعد أن برزت "القضية الأرمنية" على الصعيد الدولي في ضوء معاهدة سان ستيفانو (البند 16) ومعاهدة برلين (البند 61) عام 1878، طالب الأرمن بحقوقهم الوطنية مثلما طالبت بها بقية الشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار والطغيان العثماني. ولقد كان السلطان عبد الحميد الثاني مسؤولاً مباشراً عن تنظيم مذابح الأرمن خلال الأعوام 1894-1896 التي راح ضحيتها أكثر من 300 ألف أرمني. وفي عام 1909 بعد عام من الانقلاب العثماني الذي أوصل حزب "الاتحاد والترقي" للسلطة قتل 30 ألف أرمني في مذبحة أضنة. إلا أن كل تلك المذابح - على الرغم من شدتها ووحشيتها - كانت أقل تنظيما وقسوة ووحشية من مذابح الأرمن العظمى التي جرت عام 1915 والتي أزهقت فيها نفوس مليون ونصف المليون شخص، فيما ترك مئات الألوف من المشردين والأيتام يهيمون في الصحراء، مات معظمهم، وقليل منهم أنجدته القبائل العربية في الصحراء السورية.
وتفيد معلومات من مصادر تاريخية موثوقة إن مجزرة عام 1915 قد أقرت في اجتماعين سريين عقداهما زعماء حزب الاتحاد والترقي في مدينة سالونيك (حالياً في اليونان) في آب / أغسطس 1910 وتشرين الأول / اكتوبر 1911. وتؤكد المعلومات أن حزب الاتحاد والترقي قد أقر خلال اجتماع عام 1910
"مبدأ سيادة العنصر التركي على الشعوب الأخرى غير التركية إضافة إلى إقرار كافة الوسائل لتحقيق هذا الهدف". وفي اجتماع عام 1911 الذي عقد برئاسة طلعت باشا وبمشاركة أنور باشا وكل من جمال باشا الشهير بالسفّاح والدكتور ناظم،
وبهاء الدين شاكر، وسعيد حليم باشا وآخرين، خص الشعب الأرمني من بين الشعوب غير التركية بمشروع الإبادة الوحشي.
ولكي يغطي هذا الحزب على ما سيرتكبه من مجازر، حاول زعماؤه تضليل الشعوب غير التركية (الأرمن والأكراد والعرب واليونانيين) وغيرهم بشعارات الحرية والعدالة والمساواة والإخاء. في هذا
الوقت بالذات أقر زعماء الحزب مبادئهم التالية التي اتفقوا عليها بالإجماع ونوردها طبقا لترجمتها عن أصلها في اللغة التركية:
1-حسب قوانين الطبيعة يجب أن تكون الشعوب الأقل شأناً طعماً للشعوب السيدة.
2-إن المذابح هي تعبير عن نبل الغضبة ضد الشعوب التافهة
باعتبارها عناصر معادية.
3-لما كان قد اتخذ قرار بشأنها فان خطة
المذابح يجب أن تنفذ بالكامل من دون التأثر بأي أحد أو أية مشاعر أو أحاسيس.. وان هذه ليست قسوة، وإنما تعبير عن جسارة روح العنصر السيد.
4-إن ذبح الشعوب هو ضرورة عسكرية من دون التفريق بين عمر أو جنس
5-إن ذبح أطفال شعب عدو هو وسيلة وقائية من
اجل الحماية القومية.
6-إن هؤلاء الأطفال لا يستحقون العيش حتى في أرحام أمهاتهم وهم عناصر عدوة لله.
7-إن وجود الإمبراطورية متعلق بقوة حزب
الاتحاد والترقي وبالقضاء على جميع المبادئ المعادية.
ظل زعماء الحزب يتحينون الفرصة لتنفيذ مشروعهم العنصري، ولم تكن حروب البلقان التي وقعت بين عامي 1912-1913 مناسبة لذلك بسبب هزيمة الأتراك أمام دول اليونان وبلغاريا وصربيا والجبل الأسود. هذه الهزيمة عمقت في نفوس زعماء حزب الاتحاد والترقي الرغبة في تطوير الحركة الطورانية الداعية إلى إقامة إمبراطورية واسعة الأطراف تمتد من استانبول وحتى حدود تركستان وبلاد طوران في آسيا الوسطى، بضمنها الأقطار العربية، لا يكون فيها غير العنصر التركي.
تعليقات الصور:
1-تل من جماجم الأرمن قتلهم الأتراك في
مذابح صحراء دير الزور.
2-ضحايا إحدى المجازر عام 1915
|