|
بقلم: هراج كل سحاكيان - دبي - الإمارات
بعد حوالي تسعة عقود من الزمن وجدت تركيا نفسها وجهاً لوجه أمام مسألة تحمل مضامين تاريخية ومعاصرة في آن واحد، نقصد بذلك المسألة الأرمنية وبالتحديد أحد وجوهها الأكثر تداولاً في الأوساط العالمية وهي الإبادة الأرمنية.
بين ليلة وضحاها خرجت هذه المسألة من غياهب الماضي وأزيح عنها ستار المحرّمات ولم تعد أمراً تتناوله العامة في تركيا همساً أو تلميحاً ، وإنما أصبحت قضية مطروحة على بساط المناقشات، تملأ تفاصيلها صفحات الجرائد ويتم تداولها في أروقة ومجالس الحكم. واكتشفت تركيا أنها تجاهلت على مرّ العقود هذا الجرح النازف وتعمّدت نسيانه، طالما أن الأوضاع الدولية في ظروف الحرب الباردة لم تكن لتسمح بروز مطالب الأرمن،
إذ لم تكن لهؤلاء دولة مستقلة يمكن أن تدعم مصالحهم طوال تلك الحقبة (استقلت أرمينيا عام 1991، اثر تفكك الإتحاد السوفياتي السابق).
ولمدة طويلة من الزمن اعتبر الأتراك اثارة مسألة الإبادة الأرمنية مجرد محاولات معادية تستهدف تشويه سمعة تركيا أو تفكيك وحدة ترابها الوطني. وبما أنه لا يجوز ترك صفحات التاريخ خاوية، فقد رأت الدوائر المتنفذة في تركيا بأنه من الجائز ملء تلك الصفحات برواية رسمية تنفي إبادة الأرمن وتصورها على أنها سلسلة من الإجراءات الإحترازية، قامت بها السلطات العثمانية لتأديب غلاة الأرمن وتجنيب باقي شرائح
المجتمع الأرمني ويلات الحرب ودسائس اخوانهم على الطرف الروسي من الجبهة، عن طريق تهجيرهم إلى مناطق داخلية في الإمبراطورية، مع ضمان أكبر قدر من الحماية لهم وتسجيل ممتلكاتهم ضمن قيود حكومية، لا يجوز المساس بها، حتى يحين موعد عودتهم إلى مناطق سكنهم الأصلية بعد انتهاء الحرب! ولكن - والكلام لا يزال للرواية الرسمية (التي اشبه ما تكون سيناريو ضعيف غير مترابط) - حَدَث ما لم يكن في الحسبان. فقد هاجمت جماعات الكرد
غير المتحضرة على هذه القوافل وحصدت رجالها واستولت على النساء ومغانم اخرى، وتضافرت قوى الطبيعة الغادرة ضد تلك الجماعات البائسة، فتفشّت الأمراض والأوبئة الفتاكة، مودية بحياة الآلاف منهم، ولم تتمكن الحكومة الفاضلة من فعل أي شيء حيالهم، رغم رغبتها الأكيدة في حماية مواطنيها!
ولكي تكتمل الصورة يضيف الراوي التركي "وكان الأرمن أثناء الحرب قد أبادوا نصف مليون من المسلمين". فهل هناك طريقة أخرى لكسب الرأى العام العربي – الإسلامي سوى اشعار العامة بأن الأرمن كانوا خطراً على أمن الدولة والمجتمع وكان الواجب الوطني والديني يقتضي التخلص منهم قبل أن يستفحل شرهم. ولا ذكر طبعاً للمليون ونصف المليون من الضحايا الأرمن وللرابع والعشرين من أبريل عام 1915، ليلة تصفية وجهاء الأرمن
في استانبول.
هل كانت الطغمة الحاكمة في تركيا آنذاك (جماعة الإتحاد والترقي) لتتورع عن تدبير مذبحة الأرمن وهي التي قامت بعد ذلك بقليل بتعليق أحرار العرب على أعواد المشانق في دمشق وبيروت، دون أية محاكمة ولمجرد كتابة البعض منهم أشعار قومية وتطلعهم لمستقبل جديد، بعد أن وصل الفساد العثماني أوجّه وبات من المستحيل العيش بكرامة.
ولنفترض أن بعض الأرمن كانت لديهم تطلعات قومية (وهي التي كانت ولا تزال مشروعة حتى اليوم عندما نتحدث عن الحرية وحق تقرير المصير وإلاّ لكان هذا الحق مشروعاً للبعض وغير جائز للبعض الآخر)، فماذا كان ذنب الأغلبية الصامتة، المؤلفة من رعايا عثمانيين، جلّ ما كانوا يصبون إليه هو بعض الإصلاحات الإدارية، التي كانت ستخفف عن كاهلهم الأعباء الضريبية، مع تثبيت بعض حقوق المواطنة.
إن وجود الأرمن وعيشهم في المحيط العربي لمدة 90 عاماً بوئام وودّ، بعد تشرّدهم من بلادهم الأصلية، يدل على طبيعة هذا الشعب المسالم وميله نحو العمل والعلم وعدم ولوجه معترك العمل السياسي إلاّ لتحقيق المصلحة العامة، فكيف يمكن أن نجزم بأن أجداد هؤلاء كانوا القتلة التي يصورونهم زوراً وبهتاناً.
وما مصلحة العرب (في هذا العصر الذي يتهمون فيه بمضايقة أقلياتهم) بأن لا يتم تسليط الضوء على حسن استقبالهم وضيافتهم التاريخية للأرمن الذين التجأوا إلى ديارهم أثناء محنة الإبادة الكبرى عام 1915. فالأحرى أن تعتبر هذه المعاملة الإنسانية الراقية، التي جاءت في ظروف كانت في الأساس حالكة بالنسبة للعرب وضمن واقع اقتصادي متردي يتصف بشحّة الموارد بسبب الحرب العالمية الأولى، مثالاً يحتذى به. فقد استقبل
العرب اخوانهم الأرمن وتقاسموا معهم الرغيف الأسود عملاً بتعاليم الدين الإسلامي، الذي يغمر اليتيم بعطفه، وكيف لا والأرمني الذي حالفه الحظ ونجا من الموت المحقق في حلب والرقة و الحسكة ودير الزور، كان يتيماً بكل معنى الكلمة: لا وطن، لا مال ولا حتى اقرار بالحقيقة.
تحية من القلب إلى العرب وبالأخص العشائر العربية في الجزيرة السورية، التي لم تنصاع لنداء السلطات العثمانية ولم تسلّم أي أرمني بل وفرت له ملاذاً آمناً. وما أروع أن نجد أحفاد هؤلاء وهم قد زاروا مطلع هذا الشهر أرمينيا ووضعوا أكاليل زهور أمام شعلة النصب التذكاري لمجزرة الأرمن في العاصمة يريفان، فكانوا بذلك جسر تواصل بين الماضي والحاضر ... بين شعبين مختلفين في الدين واللسان ولكن متلاحمين في القدر
والشأن الإنساني.
أبريل 2005 للمراسلة: hrach@emirates.net.ae |