|
بقلم: آرا آشجيان
لقد ازداد في السنوات الأخيرة عدد المثقفين الأتراك الذي يعترفون بابادة الأرمن. فبرز المؤرخ تانير أكجام، والزوجان راجب وعائشة نور زاراكولوف، ومؤرخون أتراك يقطنون في الولايات المتحدة.
وواجه المثقف وداعية حقوق الانسان والرئيس السابق لجمعية حقوق الانسان في تركيا آكين بيردال تهمة وزارة العدل التركية بـ (الاساءة بشكل علني للأمة التركية). وأُتهم بيردال باستخدام عبارة (الابادة الأرمنية) خلال كلمة له ألقاها في باريس.
وأعلن محاميه: "إن بيردال يواجه عقوبة السجن لمدة ست سنوات"[1]. وذُكر في لائحة الاتهام التركية أيضاً أن بيردال كان قد وصف المجازر المرتكبة بحق الأرمن في الامبراطورية العثمانية بـ (الابادة) في كلمة له ألقاها في عام 2000 في مدينة بريميرهافين الألمانية. وأكثر من ذلك، كان بيردال قد طالب بـ (أن تعتذر تركيا من الأرمن رسمياً بسبب الابادة، فضلاً عن الاعتذار بسبب المظالم المرتكبة بحق الأقليات الأخرى)، داعياً وزير
الخارجية التركي اساعيل جيم الى اعلان هذا الاعتذار[2]. وكان بيردال قد تعرض في أيار-مايس من عام 1998 الى محاولة اغتيال أدت الى اصابته بجروح بليغة. وكان قد دافع، في السابق، عن زعيم حزب العمال الكردي عبد الله اوجلان. وأنكر بيردال أثناء حضوره المحاكمة أنه أبدى تلك الملاحظات ولكنه قال إنه تحدث عن الظلم الذي وقع على الأقليات في تركيا في أوقات متفاوتة من التاريخ، ونفى مطالبته تركيا بالاعتذار عن المذابح التي جرت للأرمن[3].
وخلال ندوة علمية عقدت في بلجيكا عام 2000، تحدث ممثل تحالف حقوق الانسان في تركيا اوردول، مطالباً بتغيير مواد في الدستور تتعلق بعقوبة الاعدام، والتعذيب، والعدالة، وحقوق الأقليات، وغيرها. وتطرق اوردول بدوره الى الابادة الأرمنية،
مشيراً الى ضرورة الاعتراف بها كـ(حتمية تاريخية).
وفي 23 نيسان-أبريل 2001، وخلال حضوره في مدينة يريفان عاصمة جمهورية أرمينيا أعمال المؤتمر العلمي الذي نظمته الأكاديمية الوطنية للعلوم في أرمينيا عن الابادة الأرمنية، أعلن المؤرخ التركي القاطن في ألمانيا ورئيس منظمة (الوحدة ضد
الابادة) علي ايرتيم: "أنه لا يمكن حجب الشمس بالطين، مضيفاً أن الرأي العام التركي منقسم أزاء هذه القضية الى قسمين: قسم يعترف بالابادة الأرمنية، وآخر يرفضه[4].
وخلال شهر أيلول-سبتمبر 2000، أجرت مؤسسة (غالوب) للاحصاء احصائية بينت أن الثُمن (8/1)
من الأتراك يعلنون إن الابادة الأرمنية حقيقة، وثلاثة أرباعهم لا يريد الاعتراف بهذه الوقائع، بينما حوالي التُسع (9/1) الباقي لا يمكنهم ابداء الرأي في موضوع لم يطلعوا عليه كفاية. وبرغم أن النسبة المعترفة بالحقائق ضئيلة (8/1)، ولكن الارهاب الفكري الذي مارسته الدولة طوال ثمانية عقود يجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار حين تحليل هذه النتائج[5].
وقال ايرتيم: "إن من واجب منظمته محاصرة أولئك الذين ينكرون الابادة الأرمنية، وذلك لأن المسألة لا تتعلق بالأرمن فحسب، بل بالأتراك، وأننا نرغب في أن تدان الجريمة المرتكبة بحق الانسانية". وأشار الى أن المؤلف التركي دوغان اكانلي،
القاطن في ألمانيا، كان قد كتب رواية موضوعها الابادة الأرمنية بعنوان (مقيمو دعوى يوم الرعب).
وأضاف ايرتيم: "إن منظمته تعمل على جمع التواقيع، لغرض وضع مسالة الابادة على جدول أعمال البرلمان الألماني لمناقشتها"[6]، فضلاً عن تقديم اقتراحات الى برلمانات دول عديدة للاعتراف بالابادة الأرمنية[7].
وبحسب صحيفة (كاثوليك) الصادرة في هولندا في 17 كانون الأول-ديسمبر 2000، دعت منظمة (الوحدة ضد الابادة) التركية البرلمان الهولندي الى الاعتراف بالابادة الأرمنية كحقيقة تاريخية، والموافقة على اقامة نصب تذكاري لضحايا الابادة في مدينة
(آسين) الهولندية. وذكر أحد مصادر الصحيفة أن المنظمة تضم نحو 10 آلاف شخص. وكانت المنظمة قد دعت أيضاً البرلمان التركي الى الاعتراف بالابادة الأرمنية، وذلك من أجل (تنقية الماضي). وجاء في الدعوة: "إننا كأتراك، نرى في ترك هذا الشعب (يقصد الأرمن) لمصيره مدة 85 عاماً يسيء لنا، وبالتالي، فأن واجبنا الأخلاقي يحتم علينا إنهاء معاناة هذا الشعب. كما نطالب بادانة الجرائم المرتكبة بحق الأرمن والسريان واليونانيين في
منطقة البنط على المستويين القومي والعالمي". وذكر رئيس المنظمة علي ايرتيم: "إن الابادة حقيقة تاريخية"، وأضاف: "إن ما تعلمناه في المدرسة يمثل تحريفاً للتاريخ، فقد تعلمنا أن الأتراك شعب واحد وأمة واحدة.. وفي بداية القرن العشرين، عاش مليونا أرمني على أراضينا، وتساءل: "أين هم الآن ؟"[8]
وكان ايرتيم قد تلقى تهديدات مباشرة من بعض الصحف التركية الرئيسة، وأُطلقت عليه نعوت شتى، مثل (ورقة مسودة تركية) التي أطلقتها عليه صحيفة (حرييت)، من دون أن يمثل ذلك عائقاً أمامه للاستمرار بمهمته.
وتطرق ايرتيم الى وجود أعضاء لمنظمته داخل تركيا، ولكنه لم يجد من المناسب الافصاح عن أسمائهم، نظراً للمخاطر التي كان من الممكن أن يتعرض اليها هؤلاء من قبل أجهزة الاستخبارات والأمن التركية في حال تعريفهم[9].
وخلال الندوة العلمية التي عقدت في مدينة ميونيخ الألمانية للفترة من 23-25 آذار-مارس 2001، بعنوان (حوار بين مؤرخين أرمن وأتراك حول موضوع الابادة الأرمنية)، أشار البروفسور (هاليل بيركتاي) المحاضر في جامعة (سابنجة) في اسطنبول الى أنه
لا يمكن عقد حوار علمي حول واقع هو مثبت تاريخياً. وقال: "أنه لا يمكن الشك في حدوث مأساة كبيرة في نيسان-أبريل 1915، باوامر من قادة الامبراطورية العثمانية". وشرح (بيركتاي) الظروف التي مرت بها الامبراطورية العثمانية المتداعية بعد حروب البلقان، والتي "فسحت المجال لتعرض السكان الأرمن الى التهجير والافناء المنظمين"، وأن الذي حدث "لم يكن مجرد عملية تهجير، بل مجزرة منظمة تمت باوامر مباشرة من التنظيم العسكري
الأعلى، وكذلك بشكل رسمي من قبل مقر الاتحاديين"، الا أن (بيركتاي) هو، من حيث المبدأ، ضد مناقشة المسألة باطلاق تعبير (الابادة) على هذه الأحداث[10].
وكان أشهر المثقفين الأتراك الذين اعترفوا بالابادة الأرمنية مؤخراً هو المؤلف التركي (اورهان باموك). وتقول صحيفة (مرمرة) الأرمنية التي تصدر في اسطنبول: "إن باموك هو مؤلف يتمتع بشهرة كبيرة في المحافل الأدبية الدولية وتطبع
مؤلفاته بأعداد كبيرة في تركيا". وقد ترجمت روايته الأخيرة (الثلج) الى الألمانية وطبعت في ألمانيا أيضاً. وبهذه المناسبة، أجرت صحف ألمانية وسويسرية مقابلات مع (باموك). وخلال إحدى هذه المقابلات مع صحيفة (Tagesanzeiger) السويسرية، أبدى (باموك) سخطه من مواقف الأوساط القومية في تركيا، والتي تهدد، بحسب قوله، المثقفين
الشرفاء وسديدي القول الذين يرغبون في التعبير عن آرائهم.
ولدى سؤال الصحفي له فيما إذا كان يريد أن يضع نفسه في مشكلة بالتحدث هكذا، وهل ينبغي له أن يتكلم ؟ قال (باموك):
"نعم، لا بد لكل شخص أن يفعل ذلك. لقد قتلوا 30 ألف كردي ومليون أرمني، ولا أحد، على الأغلب، يمتلك الشجاعة للتعبير عن ذلك. إذن، أنا من يقوم بهذا الواجب، ولذلك فهم يكرهونني"[11].
---------------------------------
[1] صحيفة آزاد اور، أثينا، العدد 16904، 9/2/2001، ص 1؛
[2] صحيفة آزاد اور، العدد 16817، 24/10/2000، ص 1.
[3] http://www.aljazeera.net/News/archive/archive?ArchiveId=4376
[4] صحيفة آزاد اور، أثينا، العدد 16966، 27/4/2001، ص 5.
[5] راجع: د. اوهانس تسلاقيان، نظرة تحليلية الى القضية الأرمنية، صحيفة النهار، 25/4/2001.
وزادت نسبة المعترفين بالابادة الأرمنية، لا سيما بعد اصدار التشريع الفرنسي بشأن الابادة الأرمنية في كانون الثاني-يناير 2001، وازدياد حدة ردة الفعل التركية أزاء ذلك، وبدأت (تنهال) اعترافات
الأتراك، بهذه المناسبة، إذ اعترف كاتب تركي بالجريمة التي ارتكبها جده بقتل صبي أرمني عمره 14 سنة من الناجين من المجازر الأرمنية، والذي كان يقوم بالأعمال البيتية، بسبب فقدان أحد خراف جده !! مبدياً الأسف على الجريمة التي ارتكبها جده (اذاعة الحرية، 24/1/2001). وفي كل مرة تعلن فيها السلطات التركية عن (اكتشاف) مقبرة جماعية، في إحدى مناطق الولايات الشرقية، مدعية أنها تضم رفات أشخاص أتراك قتلوا من قبل الأرمن،
كان سكان تلك المناطق، لا سيما المسنين منهم الذين عاصروا تلك المجازر أو سمعوا عنها من آبائهم وأجدادهم، يبادرون الى الاعلان صراحة أن تلك الرفات تعود لأشخاص أرمن قتلوا أثناء المجازر الأرمنية. ونقل مراسل صحيفة (نيويورك تايمز) ستيفن كينزر من (يلازيك) بتركيا في 7 أيار-مايس 2000 قصص عن قتل الأرمن رواها له سكان المنطقة، وكانوا قد سمعوها من آبائهم وأجدادهم. وقال كينزر: "إن أحداث تلك الأيام ما زالت موضع جدل كبير،
أما هنا، حيث جرت أحداث القتل، فان القليلين يساورهم الشك فيها". راجع: صحيفة آزاد اور، أثينا، العدد 16688، 22/5/2000، ص 3.
[6] مقتبس من: المصدر السابق، العدد 16965، 26/4/2001، ص 2.
[7] المصدر السابق، العدد 16966، 27/4/2001، ص 5.
[8] المصدر السابق، العدد 16864، 19/12/2000، ص 1.
[9] المصدر السابق، العدد 16965، 26/4/2001، ص 2.
[10] المصدر السابق، العدد 16944، 30/3/2001، ص 1.
[11] مقتبس من: صحيفة هايرينيك، بوسطن، العدد 44916(6)، 18/2/ 2005، ص 1.
|